الجنيد البغدادي

67

رسائل الجنيد

ثم ينبغي له تاسعا أن يكون على نفسه آثر العبودية ، وعلى روحه صفة الفردانية ، وعلى قلبه طرب الوحدانية . ثم ينبغي له عاشرا أن يكون مع النفس بلا نفس بنسيان حظها من الدنيا وأن يكون مع الروح بلا روح بنسيان حظه من العقبى ، وأن يكون مع القلب بلا قلب بنسيان حظه من المولى ، وصار كما كان في الأزل حيث لم تكن المكونات ، وبقي الحق كما كان في الأزل سبحانه وتعالى بلا كون ولا خلق ، ولا حيث جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره . معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى ومواصلته ، حق لكم أن لا تجهلوا قدر أنفسكم في كل شيء ، وأن لا تذلوا أنفسكم لغيره ، وأن لا تلتفتوا منه إلى غيره إجلالا لحرمته ، وحق لمن أقامه اللّه تعالى مقام أصفيائه ، وأهل قربه أن لا يصحب أحدا من عامة خلقه ، ولا يعمل بهوى نفسه ، هيبة لجلال عظمته ، وحق لمن سقاه اللّه بكأس محبته ، ووجد لذائذ أنسه ومناجاته أن لا يشتغل بلذائذ غيره ، ولا يأوي إلى قرب غيره ، استحقاقا لفردانيته ، وحق لكل من ألبسه اللّه تعالى لباس أصفيائه وردّاه برداء أحبابه أن لا يدنسه بدنس هواجس نفسه وغبارها ويطلب الأعواض من محبوبه ومعبوده قياما باستحقاق الوحدانية وحرمة جلاله . وحق لكل من خصه اللّه بولاية معرفته ، واصطفاه لأنسه وصحبته ، أن لا يأنس بغيره وينسى ما دونه بالكلية بالإياس مما في أيدي الناس والتوكل على رب الناس ، فإن الإياس عن الناس هو الكيمياء استحقاقا لصدق القصد وانقطاعا إليه وإجلالا لحرمة اللّه عز وجل ، فافهموا معاشر الإخوان القاصدين إلى اللّه تعالى ما ذكرنا من الرعاية وشرحنا لكم بيانها لأن فيها أمرا عظيما فهم من فهم تحقيقا . * * *